أحمد بن محمود السيواسي

283

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 39 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ ) في موضع الحال ، و « عَلَى » بمعنى مع ، أي والحال أني كبير السن ، وهو ابن تسع وتسعون سنة ، وإنما ذكر تلك الحالة ، لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم ، إذ هو حال اليأس من الولادة ولذلك حمد اللّه على أن وهبه في ذلك السن ( إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) وكان إسماعيل أكبر من إسحق بثلث عشرة سنة ، لأنه ولد وهو ابن مائة واثني عشر سنة ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) [ 39 ] أي تقبله « 1 » من الداعي المخلص واعتد به من قولك سمع الملك كلام فلان إذا قبله واعتبره . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 40 ] رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) أي متمها بأركانها والمحافظ عليها ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) عطف على الياء في « اجْعَلْنِي » ، أي اجعل منهم من يقيمون الصلاة ويحافظونها ، و « مِنْ » فيه للتبعيض ، لأنه علم باعلام اللّه أنه يكون في ذريته كفار كما في قوله « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » « 2 » ( رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ) [ 40 ] أي استجبه ولا ترده أو تقبل عبادتي ، سميت به لأن الدعاء مخ العبادة كما جاء في الحديث « 3 » . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 41 ] رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ ) أي لأمي وأبي بشرط إسلامهما ، وقيل : أراد آدم وحواء « 4 » ، قيل : إنه من مجوزات العقل وكان قبل أن ينهاه اللّه عن استغفار الكفار وقد بين اللّه عز وجل عذر خليله في استغفاره لأبيه « 5 » في سورة التوبة « 6 » ( وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) أي واغفر لجميعهم ( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) [ 41 ] أي يظهر ويثبت محاسبة الخلق أو يقوم أهل الحساب من القبور بتقدير المضاف ، لأن قيامه حق لا يخلف اللّه وعده . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) ثم نزل تسلية للمظلوم وتهديدا للظالم بقيام الساعة وظهور الجزاء والحساب « 7 » ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ ) بكسر السين وفتحها « 8 » ، أي لا تظنن اللّه يا محمد ( غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) [ 42 ] أي لا يخفى عليه أعمالهم وهو تثبيت للمخاطب وهو الرسول عليه السّلام على ما كان عليه ، ويجوز أن يكون خطابا لغير النبي عليه السّلام على العموم ، المعنى : ان اللّه رقيب عليهم ومحاسب بالنقير والقطمير ولو شاء لعجل عقوبتهم في الدنيا . ( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ) بالنون وبالياء « 9 » ، أي يمهلهم ( لِيَوْمٍ ) أي لأجل يوم ( تَشْخَصُ ) أي ترتفع وتزول ( فِيهِ ) أي في ذلك اليوم ( الْأَبْصارُ ) منهم عن أماكنها لهول ما ترى أو لا تغمض لذلك ، من شخص بصر فلان إذا فتح عينيه ولم يتحرك أجفانه لتغتمض عن الهيبة ، والمراد إدامة النظر إلى المرئي من الخوف ( مُهْطِعِينَ ) أي مسرعين إلى إجابة الداعي إلى النار ، وهو حال من « الْأَبْصارُ » بتقدير المضاف إليه في المعنى ، أي أبصارهم ، من أهطع البعير إذا أسرع في سيره ، ومعنى « الإسراع » أنهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ولا يعرفون مواطئ أقدامهم ( مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ) أي رافعيها ملتصقة بأعناقهم ، قيل : « المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه مفتوحا » « 10 » ، وقال الحسن : « وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد » « 11 » ، ولا يطرف جفنيه ،

--> ( 1 ) تقبله ، س م : يقبله ، ب . ( 2 ) البقرة ( 2 ) ، 124 . ( 3 ) رواه الترمذي ، الدعاء ، 1 ( الدعاء مخ العبادة ) ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 386 . ( 4 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 3 / 124 . ( 5 ) اختصره من البغوي ، 3 / 386 ؛ والكشاف ، 3 / 124 . ( 6 ) انظر التوبة ( 9 ) ، 114 . ( 7 ) عن ميمون بن مهران ، انظر السمرقندي ، 2 / 210 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 387 . ( 8 ) « ولا تحسبن » : فتح السين عاصم والشامي وحمزة وأبو جعفر وكسرها غيرهم . البدور الزاهرة ، 174 . ( 9 ) لعله أخذ هذه القراءة عن السمرقندي ، 2 / 210 . ( 10 ) عن القتيبي ، انظر البغوي ، 3 / 387 . ( 11 ) انظر البغوي ، 3 / 387 .